محمد بيومي مهران
46
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
يجعلوه في غيابت الجب « 1 » ، ولكنهم سرعان ما غيروا رأيهم حيث أشار يهوذا على أن يبيعوه للإسماعيليين ، ولكن الأمور لم تسر كما يرغبون ، وكما تقول التوراة « جاء رجال مديانيون تجار فسحبوا يوسف وأصعدوه من البئر ، وباعوا يوسف للإسماعيليين بعشرين من الفضة ، فأتوا بيوسف إلى مصر « 2 » » ، وإلى هذا يشير القرآن الكريم في قوله تعالى وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ ، قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ، وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ ، وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ « 3 » . وهكذا هبط الصديق مصر ، كرقيق اشتراه رئيس الشرطة المصري بثمن بخس دراهم معدودة ، رأى بعض المفسرين أنها دون الأربعين ، على أساس أنها معدودة لا موزونة ، وإنما يعدّ القليل ، ويوزن الكثير ، وكانت العرب تزن ما بلغ الأوقية ، وهي أربعون درهما مما فوقها ، وتعدّ ما دونها ، ولهذا يعبرون عن القليلة بالمعدودة ، وذهب ابن عباس وابن مسعود وغيرهما إلى أنهم باعوه بعشرين درهما ، بينما ذهب فريق ثالث إلى أنهم باعوه بأربعين درهما « 4 » ، وأيا ما كان الأمر ، فقد كانت هذه نهاية المحنة الأولى في حياة النبي الكريم .
--> ( 1 ) ذهب بعض المفسرين إلى أنها بئر بأرض الأردن أو هي بين مصر ومدين أو هي على مبعدة ثلاثة فراسخ من منازل يعقوب في كنعان ، وهو الأرجح ، أو هي بئر المقدس ، غير أن التقاط السيارة له ومجيئهم أباهم عشاء يبكون ذلك اليوم ، يضعف هذا الاتجاه ( تفسير أبي السعود 4 / 258 ، تفسير النسف 2 / 214 ) . ( 2 ) تكوين 37 / 18 - 28 . ( 3 ) سورة يوسف : آية 19 - 20 . ( 4 ) تفسير الطبري 16 / 13 - 16 ، تفسير القرطبي 9 / 155 - 157 ، تفسير المنار 2 / 281 ، تفسير ابن كثير 4 / 305 ، تفسير روح المعاني 12 / 204 - 205 ، تفسير أبي السعود 4 / 261 ، تفسير الخازن 3 / 271 ، تفسير النسفي 2 / 215 ، مؤتمر تفسير سورة يوسف 1 / 421 - 427 ، المقدسي : البدء والتأريخ 3 / 68 .